الدكتورة أماني فؤاد تكتب: خرائط بقلم رصاص

تستيقظ على صوت ابنتها خائفة تقول: لا أستطيع أن أرسم الخريطة التي طلبها المدرس أمس.

تُسرع “فرح” تقول: “ما بكِ حبيبتي، أمهليني فقط بعض الوقت لأفتح عينيّ، لا تقلقي ..، سآتيك بصورة من أطلس ومنها تنقلين خريطة للعالم”. يتلون صوت الصغيرة ببداية وصلة بكاء، تقول: لا يريد خريطة للأرض والماء، يريد أن نتخيل إحدى الخرائط لأي شيء من الأشياء.

تُهدئ الأم من قلق “رغد”، وتعد كوبين من الشاي باللبن وبعض الفطائر، ثم تجلس بجوارها بعد أن تُحضر الطفلة بعض الألوان وكراس للرسم به بعض الصفحات البيضاء، تأتي “فرح” بقلم من الرصاص وتأخذ من ابنتها ورقة، تبتسم لها وتشير بأصبعها نحو رأسها الجميل وتقول: أطلقيه، تعالي نترك أقلامنا تتحرك فوق الأوراق.

تحدد بنت الأعوام الخمسة سريعا أربعة خطوط على ورقتها، ثم ترسم سريرا ومكتبا صغيرا، وعلى أحد الحوائط تضع صورة لوجه رجل له عينان كبيرتان، تصمت مدة دقيقتين ثم تقفز من جوار أمها متهللة :”ماما سأرسم خريطة لعرائسي بالغرفة، “بوجي” التي تحتل دائما مقعد مكتبي الصغير وتذاكر معي، و”جودي” أمام المرآة، تلك العروسة الشقراء التي تستولى على شرائط شعري ومشطي الكبير، سأضع دبدوبي الأبيض وأنفه الأسود بجواري على الفراش ..

تبتسم لها “فرح” مهندسة التخطيط موافقة، ثم تسرح في فراغ الورقة التي أمامها وتفكر في خريطة لمجموعة مصانع في إحدى المدن الجديدة، ترسم مصنعا كبيرا بحجم وطن، وتكتب فوقه بخط صغير (متخصص في انتاج واقيات من الرصاص)، تضع المبنى بجوار بحيرة كانت قد خلقتها على الورقة من قنوات شقتها لتصل بين البحر والأرض الصفراء، تنظر ثانية وتستغرق في فراغات الورقة البيضاء، ثم ترسم مصنعا آخر كبيرا وتحدث نفسها لن يكفي مصنع واحد لمواجهة الرصاص، سأضع آخر هناك في قلب الصحراء، وأوصي بأن واقيات الصدر وحدها لن تكفي، فلقد مات زوجها من رصاصة مزقت شرايين ذراعه الأيمن فاستمر ينزف إلى أن فارق الحياة.

تشكو رغد لأمها من عرائسها الكبيرة التي أحضرها أبوها قبل أن يذهب إلى السماء، تقول: لا أجد مكانا لها فوق الصفحة البيضاء، هل يمكن أن تتصلي بأبي سأخبره أن عليه أن يستبدلهم بعرائس صغيرة تحتملها هذه الصفحة البيضاء.

تومئ لها فرح بالموافقة، ثم ترسم مصنعا آخر كبير بجوار البحيرة وتكتب فوقه (هذا لإنتاج عقول براح، و صدور بلا ضغينة) ربما يمكنهم أن يخاطبوا من يحملون السلاح، وآخر تكتب فوقه (لإنتاج الأوراق والخيال والأفكار)، مصنع خامس (لاستنساخ بشر مثل من نفقدهم ونقنع أنفسنا أنهم في السماء).

تسأل الطفلة أمها عما ترسمه في خريطتها فتحكي لها “فرح”، وتقرأ لها ما كتبت فوق الرسومات، يروق “لرغد” اللعبة فتمسك بقلم أمها وترسم مسرحا كبيرا فوق الماء، تنبهها “فرح” هذه خريطة مصانع!! تقول الطفلة: المسرح لكل عرائسي الكبيرة، وتلك الصغيرة التي سيأتي بها أبي، ثم ترسم “رغد” مصنعا صغيرا آخر، وغيره بمساحة ثلث الورقة، ثم تقول لأمها: أكتبي فوق الصغير (مصنع للأسلحة الكثيرة)، وفوق الكبير مصنع (للسلالم الطوال للغاية) كي أصعد إلى أبي في السماء، أمي لماذا لا نصعد له وأنا أذهب معك كل فترة لنزوره عند شجرة الورد الحمراء؟

لا تقوى “فرح” على الرد فتشغلها بسؤالها عن مصنع آخر تريد أن تضيفه على خارطة المصانع تلك، تفكر “رغد” لوهلة ثم تقفز ثانية لتقول لها نعم أمي أريد مصنعا (لأعين كبيرة سوداء)، تتحرك وتضحك وتدمع، عيون ليس كعين أبي التي رسمتهما منذ دقائق في صفحتي البيضاء، تسألها الطفلة هل يمكن لمصنع أن يأتيني بصوت أبي من السماء؟
تضع فرح الورقة التي رسمتاها في غلاف شفاف ثم تناولها لرغد فتقول لها الطفلة: اصنعي منها صورة أخرى قد يأتي أبي ويأخذها في المساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق