الدكتورة أماني فؤاد تكتب: كانت مفتتنة بهذا اللا شيء

كان أن خلق الله القادر المقتدر نبعَ مياه عذب، يتدفق سلسبيله من باطن الأرض كأنه الضوء الرقراق، مذاب به البَرَد والعسل. لم يُنزّل الرحمن الرحيم، الباسط الواسع أحد مخلوقاته من السماء ليحدد من له حق التمتع به واستخدامه، أو من ليس له.
منذ البدء حلقت فوقه سحابة طير تروح وتجيء، يغردون كل آن، وروى النبع العطاشى، كما أصبح واحة للعاشقين حين أوجد الرب حوله الشجر، وثمرات شهية، وورد خجل.

وكان أن وعدني الرجل الذي أحببت أن يملأ يديه من هذا النبع ويسقيني، فتخيلت شفتي تلمسان باطن كفه، وأننا اقتسمنا بعض الظلال والضحكات وأبيات الشعر، في الحلم كنت أمرر فوق أنفه الزهرات الناعمات، ورائحة أعواد القرفة، وحبات الليمون، والعشب الذي ينمو بالجوار، سميناه معا نبع العشاق.

في أحد الأيام البعيدة، وضعوا بجوار النبع منصة خُطب رنانة، موشاة بالذهب والفضة، فوقها تتبدل الأعلام الملونة وشعارات مهووسي الزعامة، كلما وقف خلفها أحد الرجال المهيبين تنمحي هوية الكلمات و تتكسر أصواتها، كما تتفتت الآن بعض من عظام وجهي، وملامحي التي كنت أعرفها. هؤلاء الأشاوس، الأماجد، الآيات، الذين يحتكرون الحقائق ويلوون أعناقها، فجميعهم: مفوهون، أو عسيرو النطق، يلبسون العمائم البيضاء أو السوداء و الغتر، أو حسيرو الرؤوس، في الغالب يذكرون أن الرب الباسط المحصي القابض، هو من خصهم بالحكمة، ثم أمرهم بالاستحواذ. يُقسم جميعهم بأنهم مجرد رسل وأدوات، يأتون فقط لتنفيذ إرادة الواحد القهار.

الرجل الذي أحببته كان كلما نام حلم بالمقابر، حكى لي ذات يوم أنه رأى وجه أخيه الذي مات شهيدا مجعدا أسودا، كأنه قد خرج توا من الجحيم، حين دقق وجد جلده كأنه قشور أسماك أحرقت، ذكر أنه كان غاضبا، يُشر إلى كتاب لم يتبين غلافه في الحلم، وقطعة سلاح آلي في مكان يشبه الكوخ الذي في أعلى بيتهم، في كل مرة يصحو، يصعد إلى الأعلى مباشرة فلا يجد شيئا. المحيي المميت يبعث ملاك الموت لمن يشاء، ويترك الآخرين أحياءً كالأموات.

في غفلة من الناس قيد وكلاء الله على الأرض النبع، ثم حشدوا حوله الحراس، واحتكروا الظلال بحق توزيع الغنائم، كما قسموا الثمرات على المليشيات والقوات الموالية للغطرسة.

ثم كان أن حط الغضب على ما بحوزتهم فتبدل الطير المغرد إلى طائراتٍ مدججة بالصواريخ والقنابل، واستحالت ظلال الأشجار لصلبان خرسانية دُكت في الأرض عميقا، والأزهار سربا من المدرعات والآليات الثقيلة، وكان أن سُحرت الأعشاب التي يحتسيها الرجل الذي أحببت فصارت بلا نكهة أو رائحة.

ورد في بيان عاجل الآن أن أحد الأشاوس، ثعباني الملامح، ممن تنكشف لهم الرؤى الكونية ــ كما يدعي ــ ، ارتطم بوجهه ذراع مبتور يقطر دما وهو يخطب في الناس، كان خلف المنصة التي بجوار النبع، يشيح بيده، يتوعد ويهدد، يمزق أقنعة الجميع، ويوهم المنصتين بأنه يسعى لخلق مناطق آمنة للبسطاء واللاجئين. فهو البشري الذي على شاكلة الحليم الغفور، المتعال الرحيم.

على الطريق غير المعبد الذي يحف النبع جهة اليمين كانت امرأة تهرول، تحمل شيئا على رأسها، ورجل بعيد يردد: “حسبي الله ونعم الوكيل”، وقفت المرأة أمام السياسي مباشرة، فتحت الصرة ملتاعة، انتفضت مباشرة أشلاء طفليها على الصلبان التي حول النبع والتصقت بها، تندفع منها الدماء بلا توقف. طلبت المرأة من خليفة المؤمنين أن يبحث معها عن ذراع أحد طفليها، سألته أيضا: إلى أين تذهب فبيتها قد تحطم؟
بملامح باردة أمر جنوده بتوجيه المدافع نحو الأشلاء، كما نصحهم بالتحفظ على المرأة فقد تصلح لأحد أغراض الجهاد.

ظل غراب ينعق فوق بحيرة الدم، فعلى كل صليب ــ بقدرة المصور القهار ــ تنتصب قطع ممزقة أخرى من الأجساد في مواجهة مع من يقفون خلف المنصات.
سألني الرجل الذي أحببتُ ذات مرة: هل تتطيرين من الغراب؟ هززت رأسي بالنفي وضحكت، قلت له: كيف أتطير من خلق الله الودود الباعث، إن هي إلا أوهام تعوق الحياة. أذكر أننا وقتها كنا فوق ربوة خضراء، بعيدين عن الأشاوس ومناطقهم الآمنة، كنت أتعلق بذراعه القوي مفتتنة بالثقة والأمان.

على حافة نبع العشاق، القريبة من منصة الزعماء، أقف الآن مرتعدة، أتطير من ألسنة الدخان الأسود الذي يتصاعد إلى السماء، ومن نعيق الغربان، من الكلمات المضللة والأطماع، من الأشلاء المصلوبة، من وعود الرجل الذي كلما نام استحضر المقابر، من نابه الأيسر الذي تهشم أمام عيني، وصوته الذي دُفن أسفل الربوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق