د. أمانى فؤاد تكتب: الكاتبات متهمات دائما

في بعض الحضارات القديمة كان محرماً على النساء القراءة والكتابة وسماع دروس الفلسفة والأدب خوفاً من أن تعى المرأة، وتفكر، فتصبح غير مطيعة للرجل. قد تصبح له نداً وهو ما يرفعها لقدره، فادّعَوا أن الفلسفة والفكر يفسدان جمالها الذي لا تملك سواه، ومن ثم يفسدان وظيفتها التي خُلقت من أجلها للرجل (إمتاعه وخدمته وبقاء نسله).

كانت المرأة التي تُضبط متلبسة بالكتابة تتهم بالهرطقة، وتُنفى أو تُحرق. وبالرغم من مرور آلاف السنين على تلك العادات والتقاليد التي مارست التمييز ضد النساء، فالمرأة الكاتبة لم تزل تعانى، لا تشعر بالمساواة بينها وبين الكاتب الرجل للسياق الثقافى للمجتمعات التي لم تزل تقيد المرأة، وتضعها تحت تحكم الثقافة الأبوية التي تَنصب مقصلة مسنونة دائما فوق رقبتها.

أول ما كتبت النساء توارين تحت أسماء الرجال المستعارة، وانشغلن دائما بكيف سيتقبلهن المجتمع، وحثيثاً أصبح تواجد المرأة الكاتبة والمبدعة حقيقة لا يمكن تجاهلها، لكن تظل هناك بعض المعوقات التي تواجه الكاتبات، تقولات حول كتابة المرأة مثل: ليست هي من تكتب أو ترسم أو تؤلف، ودائما ما أوجدوا رجلا ما يكتب لها، وبالطبع تحمل تلك الادعاءات مستويين من الاستهانة بالمرأة، أولهما: أنها لا تستطيع أن تنجز شيئا ذا بال أو قيمة بنفسها، كما أن قدراتها أقل من أن تحقق التميز، وثانيهما أنها مشروع غواية دائم لأحد الرجال الذي يكتب لها من منطلق الرعاية أو التودد.

ــ لو تباعدت المرأة عن عالم الرجال، ونأت بنفسها عن الخوض في علاقات تنتهى جميعها بالفشل، واقتربت من صديقة كرفقة في الحياة توجه إليها اتهامات سخيفة جاهزة الإعداد، وتوضع حياة الكاتبة تحت علامة استفهام ضخمة. ولو تقدمت في السن، واستعانت بشاب لينجز لها بعض أمورها يطالها انتقاد احتمالية وجود علاقة، وأنها لا تحترم سنها، وتتهم باستغلال الرجال الأصغر منها سنا، في حين أن الكُتاب من كبار السن لا توجه لهم هذه الاتهامات، رغم أنهم يوظفون الفتيات الأصغر سنا منهم في الغالب.

على مستوى مضمون النص دائما ما يبحثون عن الكاتبة فيما تكتب من شخصيات أو أفكار، وعادة ما يفرضون عليها رؤيتهم ولا يصدقونها، عندما تنفى افتراضاتهم.

فالمرأة في البداية والنهاية وما بينهما في هذا التوجه الأبوى مستودع جاذب لكل الأفكار الحسية والجنسية المتوجسة، ولا تخرج من هذا النطاق.

ــ وتقع الكاتبة في ظل هيمنة الثقافة الذكورية في مأزق اختيار حتمى هل تستمر في الحياة مع الرجل الذي تحبه وتحتاج إليه، ابن هذه الثقافة الذي نادرا ما يستوعب ضرورة استحقاقها للحرية في عملية الكتابة، فترضى وتقنع بالإطار الذي يضعها بداخله، وتتعايش مع تبعيتها لإرادته ورغبته في الاستحواذ عليها، وتنظيم حياتها وفق ما يتسق مع إرادته ومتطلباته، كما عليها أن تقبل غيرته وتحكمه وشكوكه التي تصل في بعض الأوقات إلى حالة من التوجس الدائم في كل ما يحيط بها،أم أنه من الأفضل لطبيعة رسالتها أن تعش بمفردها لتحقق طموحاتها وأحلامها دون أن تصبح في موضع اتهام دائم بلا ذنب قد اقترفته.

في الحالة الأولى تشعر المرأة بالقهر وأن سلطة الثقافة المهيمنة خارجها لم تستطع أن توفر لها فرصة عادلة لتنطلق طاقتها مستمتعة بالرفقة الناضجة، كما أن الخلافات المستمرة تأكل قدراتها على الإنجاز، وتصل بها حد الاكتئاب. في حالة اختيارها للعيش بمفردها تشعر بالوحدة والغربة والفراغ، تفقد الرفيق الذي يكمل وجودها حد أن تصل إلى أن تموت منتحرة أو مصابة بالاكتئاب. لا أحد يعى أن للكاتبات وضعا خاصا؛ فهناك جذوة بنفوسهن لا تهدأ، وتظل على اشتعالها عشقا للكتابة، كما أن الحرية والتميز والمغايرة قيم تظل كل مبدعة ومبدع في حالة بحث عنها. وتتساءل مبدعات كثيرات لحقهن ظلم هذه الثقافة: لماذا لا نحتمل الانفصال عن بعض البشر ونشعر أننا نتهاوى حين يرحلون؟

ويُجبن هن أيضا ربما لمنطقة اكتمال تتهيأ بيننا وبين البعض، مثل أن ثقتنا بأحدهم تصل لدرجة أن وجوده ورأيه يجعلاننا ندرك قدراتنا ونثق بهما، بعضهم فقط من يستطيع ترتيب وإعادة تنسيق هذا المشوش في ذات كل مبدعة أو مبدع، فيبرز له مناطق إضاءته ويجعله كباقة زهر منسقة في أبهى صورها.

بعضهم يهبك من ذاته ووقته وفكره ويضيف لك. نتمسك بالبعض لأنه يجعلنا نحتمل الحياة بكل ما فيها من صعاب ومآسٍ، يجعلنا نحتمل هناتنا وضعفنا البشرى ويبث الطاقة الإيجابية بذواتنا. لماذا تُفرض على الكاتبات فقط تلك الثقافة الظالمة وغير المتفهمة لطبيعتها؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق