” طعم البيوت ” .. قصة قصيرة للكاتبة منى شماخ

جلست في صالة منزلها أمام شاشة التليفزيون تتنقل بين عشرات القنوات .. مسرحية كوميدية تحفظ حوارها عن ظهر قلب ..مذيعة أنيقة تتحدث مع سيدتين على قدر من الثقافة والجمال عن وصفات لتفتيح البشرة…فيلما قديما شاهدته عشرات المرات … فيلما جديدا شعرت بالملل بعد 5 دقائق من التوقف عنده… مسلسل تجري أحداثه في عالم مختلف .. برنامج ديني لا تدري عن أي دين يتحدث!!

أغلقت التليفزيون وأمسكت هاتفها المحمول : رسائل الأصدقاء المعتادة ، رسائل جاهزة مكررة لا تفهم منها غير أن راسلها لا زال على قيد الحياة.

تنقلت بين وسائل التواصل الأخرى لم تجد شيئا ولم تدر ما هو الشيء الذي لم تجده .
نظرت لصورة معلقة على الحائط أمامها ، صورتها في ذلك اليوم الذي لفت فيه بالثوب الأبيض لتبدأ ما قيل لها بأنها حياة جديدة
“عريس” تقدم لخطبتها ..وافق عليه أهلها ولم تكن حينها تملك رفاهية الاعتراض ، كانت التجربة الثانية لها.
تجربتها الأولى كانت سنوات من الحب وأشهر من الزواج

هذه المرة قررت الاستماع لنصيحة أهلها “العريس جاهز ، وكفاية انه ماسألش عن سبب الطلاق”
صفات كافية جدا لتتخذه زوجا
وبدأت حياتها الجديدة .. بدأتها وحيدة ..لا مكان لأهل ولا حتى لذلك “الرجل”
بدأت حياتهما معا بفتور ثم جمود ….ثم قسوة
لم تشعر بأنه سعيد بزواجه منها ، حاولت معرفة السبب بالطبع ، ولم يبخل عليها بالرد :
-اتجوزتك عندا فيها ، حبينا بعض سنين ، ولما اتقدمت لها رفضوني لأن ماعنديش اللي عند العريس التاني:
شقة جديدة حيجهزها بكل اللي يطلبوه ، ده غيرالعربية والفرح الكبير اللي حيعمله لها
شقتي قديمة ورثتها عن أهلي والفرش على قد الحال ، ويادوب أقدر أغير أوضة النوم وأعمل حفلة للمقربين ، طبعا مافيش وجه للمقارنة ، كنت فاكر حبنا حيرجح كفتي ، لكن طلع ما بيتحطش في الميزان أساسا.
أصبحت الحقيقة واضحة ، تزوجها انتقاما لكبريائه وتضميدا لجرحه ، كما فعلت هي
لكنه وجد دواءه في الانتقام منها هي ، لا من الأخرى ..
شعرت بالصورة تتحرك نحوها ..بل الجدار كله يكاد ينقض عليها
شعرت باختناق .. أسرعت نحو الشرفة .. شمس العصر الهادئة مع نسمات الخريف أعادا إليها وعيها
تنفست بعمق .. تستطيع التنفس بسهولة الآن وتمد بصرها بعيدا عن الجدران:
في الجهة المقابلة منزل صغير يتكون من بضعة طوابق:

في الشرفة المقابلة شاب يتحدث في تليفونه المحمول، المسافة بينهما لا تسمح بسماع الحديث، فجأة يرتفع صوته لاعنا ومهددا بأن “كل واحد يروح لحاله” فتخرج أمه (كما يبدو من مظهرها وتعاملها معه) لتهدئ من ثورته فإذا فشلت حاولت إقناعه بتكملة الشجار واللعنات في الداخل.
يختفي دقائق ثم يعود من جديد ليبدأ حديثه الهامس مع حبيبته أو خطيبته .
لماذا لا يعلو صوته بالغزل والعشق كما كان يعلو بالسباب واللعنات ؟
تتحول نظراتها لشرفة أخرى تنطلق منها ضحكات تتحول لصياح ثم بكاء ،طفلان يتجاذبان كرة ، يحاول كل منهما الاستئثار بها ويتطور الأمر لتفلت الكرة منهما باتجاه الشارع وتصطدم بسقف إحدى السيارات الواقفة أمام المنزل وتنتهي رحلتها تحت عجلات سيارة مسرعة.
تتعالى صرخات الطفلين ويلقي كل منهما باللوم على الآخر ، يأتي الأب محاولا استخدام حكمته لإنهاء الشجار، لكنه يفشل فيلجأ للطريقة الأسرع والأكثر نجاحا ، يرتفع صوته مهددا ومنذرا بالعقاب يهدأ الطفلان ويعودان للعب فينقطع الصوت.
مرت دقائق ثقيلة شعرت خلالها بالملل وكادت تترك المكان ، لكنها ماذا ينتظرها بالداخل سوى الخواء والوحدة ؟
تنتظر حتى يعود الرجل “زوجها” من عمله ، لكن ما الفرق ؟ إنه غير موجود دائما حتى وهو بجوارها ،وتذكرت ذلك اليوم عندما كان مستلقيا على الأريكة مستغرقا في متابعة أحد الأفلام الرومانسية القديمة ، فوجدتها فرصة لاحياء مشاعرها ومشاعره واقتربت منه هامسة:
-ياااه شوف الحب ممكن يعمل إيه؟
أجابها ساخرا: الفلوس بتعمل أكتر
لم يكف يوما عن توجيه طعناته لها ، كلمات قليلة لكنها كافية لترك جرح غائر تظل تعاني من آلامه حتى تتلقى سهما جديدا يوجهه لقلبها وكبريائها ببراعة تحسده عليها.
بكاء …صرخات بدأت مكتومة ثم انطلقت من احدى الشرفات المقابلة أفاقت من شرودها ونظرت
باتجاه الصوت لتجد امرأة في مقتبل العمر تندفع باتجاه السور ..رجل – يبدو زوجها- يهرول مسرعا ليمنعها من الوصول للسور ، يضمها بقوة وينزع شيئا من يدها.. صرخاتها أوضحت الأمر، لم تحاول إلقاء نفسها لكنها أرادت إلقاء الهاتف … اكتشفت علاقته بأخرى رأت الرسائل المتبادلة بينهما، الصرخات تتعالى والأمور تتضح وتزداد سوءا..الأصوات لفتت أنظار الجيران والمارة ، تعلقت الأنظار بالشرفة.. تطور الأمر لطلب الطلاق والتهديد بافشاء أسرار ، لكن الزوج حافظ على بروده واستعاد قدرته على الخداع فغادرا الشرفة ..وساد الصمت
ثبتت نظراتها على الشرفة كما لو كانت تريد اختراق الجدران ..ولم تخترقها؟ انها ترى مايحدث بالداخل ، رأته مرارا مع زوجها الأول منذ عرفته ، سنوات الحب التي جمعتهما لم تخل من الخيانة وفي كل مرة تبرير واعتذار وكلمات ومشاعر تهزم كبرياءها ..تثق في وعوده بالتوبة والتغير بعد الزواج ، لكن ذلك لم يحدث بالطبع
أنا …أنا ..أنا ،أنا بعشقك أنا ،أنا كلي لك أنا
صوت ميادة الحناوي ارتفع فجأة آتيا من شرفة مقابلة نظرت باتجاه الصوت لتجد رجلا خمسيني يجلس باسترخاء وفي يده راديو .
خفت الصوت ثم عاد قويا مرة أخرى: أنا بعشقك أنا ،أنا.. أنا.. أنا..
في البداية ظنت الرجل يبحث عن اذاعة ما فيرتفع الصوت رغما عنه ،لكنها لاحظت أن الصوت لا يعلو إلا في هذا المقطع من الأغنية..تعلم جيدا أن الاعتقاد بتكرار الصدفة حماقة ، حقيقة تعلمتها من علاقتها الأولى.
يا من ملك روحي بهواه ..روحي بهواه
الأمر واضح ،الرجل يبعث رسالة لامرأة ما ، طريقة قديمة من القرن الماضي اختفت بعد ظهور الموبايل ، ابتسمت وأحست أنها تعيش فيلما قديما ، تمنت من قبل أن تحيا في ذلك الزمن ، الذي يطلقون عليه “زمن الحب الجميل” لكنهم في ذلك الزمن كانوا يترحمون كذلك على الحب في الماضي ، لا أحد يعرف تحديدا متى كان الحب حقيقيا ربما كان في الزمن الذي لم يوجد فيه الانسان بعد.
أخذت تتسلى بالبحث عن المرأة المقصودة بالرسالة ، ربما كانت في نفس العمارة ، أو العمارة المجاورة أوالمقابلة ( التي تسكن هي بها).
لم يستمر بحثها طويلا ، ظهرت المرأة التي يوجه لها رسالته ، امرأة خمسينية تحمل بين يديها صينية عليها كوبان من الشاي وطبق بسكويت تضعها على المنضدة أمامه ويغنيان معا بمصاحبة صوت الراديو المرتفع:
الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
ابتسمت وتمنت أن تحظى بجزء مما يشعران به من سعادة
على الجانب الآخر كان الزوجان يتناولان الشاي والبسكويت ..يغنيان معا .. يحاول كل منهما اخفاء حزنه وقلقه فغدا موعد جلسة العلاج الكيماوي الأولى للزوجة
ينظران لتلك المرأة في الشرفة المقابلة ويتمنيان أن يحظيا بما تحظى به من طمأنينة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار
إغلاق