مختار محمود يكتب : المطبلاتية الجدد

“هو الفارس الشجاع، والرجل الصلب المؤمن بربه ووطنه ورسالته الصحفية التي جعلها في خدمة الحق والحقيقة، فلم يجنِ منها ثروة ولا توسلها سبيلا، لوجاهة. أكل خبزه بعرق قلمه”.. نصَّاً من نعى نقابة الصحفيين اللبنانيين للصحفى “سمير سعداوى القصيفى”، الذى غيَّبه الموت صباح اليوم.
ورغم استرسال النعى وبلاغته، إلا أن أروع ما جاء فيه، من وجهة نظرى المتواضعة، وصفه الراحلَ بأنه “أكل خبزه بعَرَق قلمه”، فهذا صار أمراً نادر الحدوث. فى زمن مسح الجوخ، وتزييف الحقائق، وظهور فئة جديدة من “المطبلاتية”، قلما تصادف من “يأكل خبزه بعرق قلمه”. كثيرون انسلخوا من رسالة الصحافة، وألقوها خلف ظهورهم، واتخذوها سخرياً، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا خدماً لمن يدفع، ولمن يرضى. الضمير عندهم صار غائباً، خرج ولن يعود. القلم ليس حُراً، بل هو مُسخَّرٌ لمن يدفع، وكأنه “شقة مفروشة”، وكأنَّ القرآنَّ لم يحلفْ به ولم يقسمْ. المجد للزيف والضلال، وسُحقاً للحق والصدق. إذا كنت صاحب كلمة حق، فأنت مُتهمٌ، حتى تثبت براءتك. وقد تثبت براءتك، وتبقى متهماً.
“المطبلاتية”.. ليسوا فى السياسة فحسب، بل فى الاقتصاد وفى الرياضة وفى الفن وفى الثقافة. الكتابة صارت مقابل الدفع وأشياء أخرى. لا تصدقوا كل ما تقرأونه. كثيرٌ منه مُوجَّهٌ، وقليلٌ منه يتحرى الصدق. الجيل الجديد من “المطبلاتية” أشد بأساً من الأجيال السابقة. المطبلاتية الجدد عدموا مكر وذكاء ودهاء الرعيل الأول. وجوههم مكشوفة، وألسنتهم مسنونة، وأقلامهم تتحدى “مُسيلمة الكذاب” وأقرانه. هذا يصف زمن الفقر والضياع والحوادث الجسام والفساد، بأنه زمن التنمية والرخاء والصفاء والنقاء. وذاك يُقسم بالله جهد أيمانه أن رجل الأعمال الفاسد أخلص أهل الأرض. وهذا يوزع مقالاته فى عدد من الصحف زاعماً أن تلك الرواية الهابطة أفضل مما كتبه “نجيب محفوظ” و “يوسف إدريس” و “توفيق الحكيم”. وتلك تدافع باستماتة عن فنانٍ سفيهٍ، فناً وسلوكاً. وهؤلاء يجتمعون كل مساء يجارون مسؤولاً رياضياً كبيراً فى سخافاته وأكاذيبه، ويُسبحون بحمده، خوفاً من انقلابه عليهم وقطع المعونة عنهم.
“المطبلاتية الجدد”.. خَدَم‏ٌٌ…‏ خَدَم‏ٌ‏ٌ، وإن تبهنسوا، وصعَّروا الخدود كلما مشوا، وغلظوا الصوتَ، فزلزلوا الأرض، وطرقعوا القدم‏، وإنْ تباهوا أنهم أهلُ الكتاب والقلم، وأنهم في حلكة الليل البهيم، صانعو النور، وكاشفو الظلم، وأنهم ـ بدونهم ، لا تصلحُ الدنيا، ولا تفاخر الأمم، ولايُعاد خلق الكون كله، من العَدَم‏!
“المطبلاتية الجدد”.. أكثر عُهراً من عاهرة تبيعُ عرضَها على الأرصفة، وتباهى بعُهرها دونَ خجل. هم يعشقون التضليل، ويدمنون الكذب، ويعشقون التزييف. قد يخدعون أنفسهم، أو يخدعون غيرهم، لكنهم خَدم. بإصبع واحدة، يُستنفرون مثلَ قطعان الغنم، ويهطعون لعلَّهم يلقون، من بعض الهبات والنعم. لهم‏،‏ إذا تحركوا‏‏، في كل موقع صَنم. يُكبرون أو يهللون حوله‏،‏ يُسبِّحون باسمه‏ ويُقسمون، يسجدون‏،‏ يركعون، يمعنون في رياء زائف، وفي ولاءٍ مُتهم. وفي قلوبهم‏ أمراضُ هذا العصر، من هشاشةٍ، ومن وضاعةٍ، ومن صغارٍ في التدني، واختلاطٍ في القيم‏. فما أكثرَ الأصنامَ التى يلتفُّ حولها “المطبلاتية الجدد”؛ انتظاراً للهبات والعطايا، والتقرب من أولياء النِّعَم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق