منى شماخ تكتب..”الهوى هوايا” 

“الهوى هوايا أبني لك قصر عالي وأخطف نجم الليالي واشغل لك عقد غالي يضوي لأحلى الصبايا”

ترامت هذه الكلمات على مسامعي آتية من مكان ما ،الصوت بالكاد يسمع ،لكن لاأدري لماذا التقطت أذني هذه الكلمات وفي هذا الوقت بالذات.

منذ حوالي خمسة عشر عاما كانت هذه هي الأغنية المفضلة التي تصل إلى سمعي من بلكونة “سامح” ابن الجيران .
طالب بكلية الحقوق ،سكن مع عائلته حديثاً في الشقة المجاورة لنا .

كنت وقتها طالبة بالثانوي، بدأت معرفتي به بنظرات تبادلتها معه على استحياء بطرف عين تحتمي بخصلات شعري البني، تبعتها رسائل يضعها في يدي مرة وفي حقيبتي مرات عندما نلتقي أمام شقتينا قبل ذهابي الى المدرسة.
“الهوى هوايا يبقى القمر قاربنا والليل بحر مهاودنا والنسمة اللي تاخدنا ترجع شايلة الحكاية”
كلمات ارتبطت في ذاكرتي بنسمات الصيف وليالي المذاكرة ،حيث يسهر كل منا في شرفته وقلبه معلق بالضوء المنبعث من الجهة الأخرى.

” الهوى هوايا ندخل كتب الحكاوي واروي سنينك غناوي واعمل طبيب مداوي واشيل حبي دوايا”
تخرج من الحقوق ،ودخلت كلية التجارة ،تقدم لخطبتي ..طرت فرحا …..رحبت أسرتي .
بمجرد تخرجي تم الزواج ….حبنا ….مع امكانات أسرتينا زلل كل العقبات .
نهاية سعيدة لقصة حب رائعة .
“نهاية”!!!!!!
نعم ،انتهت القصة الجميلة لتبدأ قصة أخرى بطلها محام شاب ناجح يكمل مسيرة والده، وبطلتها زوجة وأم لطفلتين، موظفة في أحد البنوك الكبرى.
قصة مملة ومكررة ،ليس بها مكان لضوء القمر ولا نسمات الصيف .

لم نختلف على شئ طيلة سنوات زواجنا العشر….ولكن شئ ما اختلف بداخلي …أشتاق لتلك الأحاسيس التي كنت أشعر بها عندما أراه …. لذلك الدفء الذي كان يسري في كياني بمجرد أن يرسل نظراته إليّ من بعيد .
أشتاق إلى تلك الرعشة التي كانت تحركني عندما كانت يده تلمس يدي .
أشتاق إلى شوقي اليه.
لكن قصة أخرى بدأت…… .
في حفل خطبة “نهى” زميلتي في البنك :
كنت وحيدة كالعادة ….زوجي في رحلة عمل لمدة يومين ….وحتى لو لم يكن مسافرا لا أظنه كان سيأتي فقد أهمل تلك الاجتماعيات منذ زمن…لكنه لم يقف عائقا أمام حرصي عليها
لم يكن لديه مانع أن أتواجد بمفردي في مثل هذه الأحوال …البعض يسميها ثقة …لكني أراها لامبالاة.
هناك تعرفت على “عادل” ….شعرت بنظراته تحيط بي منذ دخولي الحفل …
لم تكن نظرات الاعجاب شيئا غريبا بالنسبة لي –بعيدا عن الغرور-أنا جميلة…. حقيقة لاتنبئني بها مرآتي فحسب بل أراها في نظرات كل المحيطين بي .
حتى سنوات الزواج العشر لم تضع بصماتها على مظهري ، أبدو كما لو أني لازلت طالبة أو حديثة التخرج على أقصى تقدير.
لكن نظرات عادل كانت تختلف… .لم تكن إعجابا بقدر ماكانت إحتواءا… ..شعرت بعينيه تحيطان بي، تؤنسان وحدتي ،تنفذان إلى أعماقي لتحرك شيئا سكن منذ زمن.
-أعمل في شركة سياحة، لدينا عروض رائعة لرحلات شرم الشيخ والغردقة .
هذا ماقاله وهو يعطيني رقم هاتفه، وكأنه يقدم لي حجة مشروعة للاتصال به.
عدت إلى المنزل …. البنتان نائمتين….كل شئ هادئ كالعادة ،لكني أسمع دقات قلبي.
تذكرت التفسير العلمي القائل بأن الشعور بالحب يجعل الجسم يفرز كميات إضافية من الأدرينالين و النورادرينالين مما يسبب تسارع في ضربات القلب، واحمرار الوجه، وسرعة التنفس .
لكن الخوف أيضا يزيد من سرعة ضربات القلب ، وكذلك الخجل يزيد من احمرار الوجه .
وعندما ذهبت إلى فراشي لم أعرف ما الذي أذهب النوم عن جفوني :صحوة القلب أم……أم وخز الضمير!!!!
“الهوى هوايا أرسم صورتك بيدي ع النسمة اللي تعدي ،ع الفجر أبوضحكة وردي ،ع العمر اللي ورايا”.
في اليوم التالي استيقظت عازمة على نسيان كل ماحدث بالأمس ….سيأتي سامح اليوم من سفره القصير …أقنعت نفسي أني اشتقت اليه -رغم انه لم يمر على غيابه سوى يومين- أخرجت الكارت الذي يحمل رقم هاتف عادل وقررت تمزيقه، لكني عدلت عن ذلك زاعمة لنفسي أنه مثل باقي كروت العملاء الموجودة في مكتبي وأن وجوده معي لم يكن يمثل لي شيئا يجعلني أتخلص منه الآن.
حاولت الانشغال بالبنتين ….بالغت في الاهتمام بترتيب أدواتهما واعدادهما للذهاب إلى المدرسة …وذهبت إلى عملي….
هناك كان ينتظرني…..نعم كان عادل هناك أمام البنك….بسرعة أجاب على السؤال الذي سألته عيناي فبادرني بسبب حضوره (الوهمي بالطبع) :
-عايز أفتح حساب .
ساعدته في إنهاء الإجراءات ….شكرني وانصرف.
وجدت نظارة شمسية على مكتبي …لابد أنها نظارته ،اتصلت به لأخبره أنه نسيها (طبعا اتصلت من هاتفي وليس هاتف البنك)!!!!
هل تعمد تركها لأتصل به؟هل وجدتها فرصة لأعطيه رقمي؟
لايهم …المهم هو ماحدث بعد ذلك….
” الهوى هوايا لو الايام بعدوني يصاحبك نور عيوني ولو خابت ظنوني يصحى في ليلك منايا”
اتصل مرة ثانية ليشكرني ،واتصل ثالثة ليحدثني عن إعجابه بي….
ومع كل اتصال كانت الحواجز تنهار وتتدفق المشاعر
قصة جديدة عشتها ..أعادت إليّ مشاعر الفتاة ابنة الثامنة عشرة.
أنتظر رسائله كل صباح على هاتفي فيخفق قلبي كما كان يخفق عندما يضع سامح خطاباته في حقيبتي.
أنتظر اتصاله ليسمعني كلمات تذيب الجليد الذي أحاط بمشاعري فتتورد وجنتاي وترتجف شفتاي كما كان يحدث لي عندما يهمس سامح في أذني :أحبك.
كم أشتاق إلى أن يعيش سامح معي هذه القصة مرة أخرى ….أشتاق إلى العاشق الذي كان يحيطني باهتمامه ومشاعره…. كنت أكره المسافات التي تبعدني عنه ….أحلم باليوم الذي يختفي فيه الجدار الذي يفصل بيننا لنحيا سويا في مكان واحد …كان يهتم بأدق تفاصيلي ….ينصت لكل ما أقول مستمتعا بحديثي مهما كان تافها…كنت أشعر بوجوده يملأ كياني .
ماذا حدث؟ لماذا افترقنا الآن؟ لماذا بعدت المسافة حتى اتسعت لشخص آخر يدخل بيننا؟
من المسؤول عما حدث؟ بالتأكيدهو.
فقد بالغ في الاهتمام بعمله ،اعتقد أنه بزواجه من محبوبته حصل على كل مايتمناه وكأن الحب لم يكن سوى قربانا ذبح على أعتاب هيكل الزواج .
لكن ماذا فعلت أنا؟
لاشئ …كنت دائما رد فعل …أنتظر ماسيفعله لأقرر هل أقبل أم أرفض ،حتى رفضي كنت أحتفظ به داخلي …لا أذكر أني صارحته يوما بما أريده منه …لا أذكر اني عبرت له عن شوقي إليه …كل أحاسيسي أصبحت واجبات أؤديها ….انتهى دور العاشقة بمجرد أن أصبحت زوجة …
“الهوى هوايا في عنيكي ياحبيبتي تتوه مني سفينتي وكفاية انك انتي اللي فضلتي معايا”
الآن أستعد للقاء يعيد الدفء إلى مشاعري… يوقظني من سباتي …يضخ الدماء في عروقي..
أنظر إلى صورتي في المرآة ….أستمع إلى الأغنية فأنتقل معها إلى شرفة منزل أهلي…. أتذكر أحلامي بأن تختفي المسافات بيني وبين سامح …. الحياة التي تمنيت أن أحياها معه….أرى في المرآة صورة فتاة عاشقة.
أستمع إلى رنين هاتفي ….انه عادل….أتذكر كلماته ،رسائله المليئة بالمشاعر… أنظر مرة أخرى للمرآة…أرى صورة زوجة خائنة.
تتقاطع نغمات الأغنية مع نغمة رنين الهاتف ….أنظر إلى المرآة …أبحث عن صورتي …. أرى طفلتين وزوج …وأرى صورتي :زوجة وأم وعاشقة
أغلق الهاتف وأستعد للقاء زوجي .وابنتيّ…..لقاء يعيد الدفء إلى مشاعري ويضخ الدماء في عروقي.
لكن وانا كلي حيره مش باملك يا أميره من أحلامي الكتيره ياعيني غير ضحكي وبكايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار
إغلاق