نظرة شاملة في الطبقية المجتمعية

 

كلُّكم لآدم وآدم من تراب..

هكذا أوصى الرسول صحابته في حجة الوداع، بعدم العنصرية والتفرقة بين الإنسان وأخيه فكلُّنا من بطنٍ واحدة، خُلِقنا من طينٍ وإليه نعود.

 

الطبقات المجتمعية مبحث هام من مباحث علم الاجتماع خاصةً وعلم الأنثروبولوچي عامةً، والطبقية موجودةٌ من قديم الأزل.. ففي أول البشرية وفي قمة الهرم الاجتماعي نجد طبقة الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال وهم المتحكمون في الطبقتين الأخرتين وهما: وسط الهرم وهي الطبقة المتوسطة التي تعيش في مستوى لا بأس به والتي يستطيع العائل فيها أن يوفر أساسيات المعيشة من مأكل وملبس ومشرب وغيرهم لمن يعوله، والأخيرة هي قاع الهرم وهي الطبقة الكادحة الفقيرة التي بالكاد تستطيع العيش وتوفر أساسيات الحياة بصعوبة بالغة بسبب تفشي الفقر فيهم.

 

وفي بداية البشرية ولما كانت السلع ورؤوس الأموال هي المتحكم الأول في سير الأمور والتعامل بين الناس صار من البديهي أن يكون الأغنياء على قمة الهرم الاجتماعي..

ولما نزلت الأديان السماوية صار الهرم الاجتماعي مكوّنًا من أربع طبقاتٍ، الثلاثة المذكورة آنفًا والرابعة هي طبقة رجال الدين التي اعتلت الهرم وصار لها السلطة المطلقة.. ونلاحظ تلك الظاهرة في بعض فترات الخلافة الإسلامية من بداية عهد الرسول إلى سقوط الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة الإسلامية، ونجد سلطة رجال الدين على الحكّام والولاة وقدرتهم على تسيير الأمور وتجييش الجيوش وسياسة الأمصار..

لكن تتجلّى تلك الظاهرة أكثر في الدين المسيحي، ففي العصور الوسطى في أوروبا كانت للكنيسة الحرية والسلطة المطلقة على كل دول أوروبا وكانت لبابا الكنيسة الكلمة العليا التي يصغي لها كل ملوك أوروبا خاضعين للسلطة الدينية والسياسية والحربية للكنيسة، ولم تكن تقدر مملكةٌ واحدةٌ من ممالك أوروبا على شن حربٍ دون إذن وبركة بابا الكنيسة، فهو صاحب الأمر والكلمة، واستمر ذلك الوضع قرونًا عدةً إلى أن تحررت أوروبا من براثن الكنيسة وانتشر العلم وكثر العلماء في شتى المجالات.

 

وفي عصرنا الحالي ظل الهرم الطبقي مكونًا من أربع طبقاتٍ ولكن طبقة رجال الدين قد اختفت لابتعاد البشر عن الأديان وحلّ محلها طبقة القوة العسكرية وصارت قمة الهرم.

 

إذًا صارت القوة العسكرية هي المتحكم في أصحاب رؤوس الأموال وبالتالي تتحكم في الطبقة المتوسطة والطبقة الكادحة، وقد تتوحّد طبقة القوة العسكرية وطبقة الأغنياء في كثير من المواضع لاتفاق المصالح، ومع هذه الوحدة عاد الهرم الاجتماعي مكونًا من ثلاث طبقاتٍ مرةً أخرى على رأسها القوة العسكرية الغنية.

 

وكلما يزداد الأغنياء غنىً وتتراكم لديهم الأموال يزداد الفقراء فقرًا ويعانون أشد المعاناة لتوفير أبسط الأشياء الممكنة لإنسان وهي المأكل والمشرب والملبس وحق العلاج والتعليم.. ومع مرور الوقت تتلاشى الطبقة المتوسطة لزيادة غنى الأغنياء وتضمحل أحوالها إلى أن تصير ضمن الطبقة الكادحة، ويصير الهرم الاجتماعي مكونًا من طبقتين فقط.. طبقة البرجوازية وهم أصحاب السلطة والأموال والمتحكمون في كل شيء، وطبقة البروليتاريا وهي الطبقة الكادحة الفقيرة التي بالكاد تعيش من أعمالها اليدوية أو بالعمل بالسُخرة لدى طبقة الأغنياء..

وعند هذه اللحظة يتحول المجتمع من مجتمعٍ إنسانيٍّ يضمن الحقوق والواجبات إلى مجتمعٍ شيطانيٍّ يتكون من أسيادٍ وعبيد، وهذا ما لا يرضاه الله في أيٍّ من كتبه السماوية ولا تستسيغه الفطرة البشرية ولا تقبله عزة الإنسان وكرامته..

وهنا تظهر لنا أهمية وجود الطبقة المتوسطة، فهي الفاصل والحائل والمانع الوحيد من تحول المجتمعات الإنسانية إلى مجتمعات بشرية ومن تغيّر العلاقات الطيبة بين البشر إلى علاقة الأسياد بعبيدهم.

 

وأخيرًا أطلب من كل الطبقات اتقاء الله عزّ وجلّ، وعدم التمييز والتفرقة والعنصرية فكلُّنا عبيد الله تعالى، وكلّ البشر سواسيةٌ كأسنان المشط فلا فضلٌ لشخصٍ على آخر إلا بتقوى الله، فالمنزلة التي تعلو أي هرم اجتماعي هي أن تكون عبدًا من عباد الله، فاعبد ربَّكَ حتى يأتيك اليقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق