“مشاهد مرعبة” .. همنجواي يوثق مذابح الأتراك ضد اليونانيين

العثمانيون الجدد

1 مارس 2019″مشاهد مرعبة” .. همنجواي يوثق مذابح الأتراك ضد اليونانيي

 

الصدفة جعلت أديب نوبل إرنست همنجواي، شاهدا على أحد مجازر الدولة العثمانية، ضد اليونانيين والأرمن، في إزمير، عام 1923.

الشعوب غير التركية تعرضت للإبادة، على يد الأتراك منذ منتصف القرن التاسع عشر، وزادت حدة تلك الجرائم الإنسانية  في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وفي الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة العثمانيين، وتوزيع أرض الأناضول بين الدول المنتصرة.

كانت الأناضول مقرا لأغلبية يونانية وأرمينية، فسمح الحلفاء لليونان باحتلال إزمير، لإنقاذ الأرمن واليونانيين من الاضطهاد التركي، إلا أن فرنسا خانت أثينا، ودعمت القوميين الأتراك ، بزعامة أتاتورك، الذي تمكن من هزيمة هزيمة اليونان، وطردها من إزمير.

عقب خروج الجيش اليوناني، ارتكب الأتراك مذابح وحشية بحق المدنيين اليونانيين والأرمن، وظلت الإبادة مستمرة، حتى تم الاتفاق على نقلهم إلى اليونان، وفق معاهدة لوزان.

 

إبادة في إزمير

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، سيطر الحلفاء على أغلب أراضي السلطنة، واحتل الجيش اليوناني أزمير، في غرب الأناضول، عام 1919 أثناء الحرب بين البلدين.

وتم توقيع معاهدة سيفر عام ،1920 والتي منحت اليونان حق الإشراف على إزمير ذات الغالبية اليونانية، لمدة خمس سنوات ، على أن يجرى بعدها استفتاء لتقرير المصير، ثم عادت لأنقرة بمساعدة باريس.

عقب هزيمة اليونان، ارتكب أتاتورك جرائم إبادة، في الشرق والجنوب، ضد سكان إزمير، من الأرمن واليونانيين، لتنفيذ خطة أسلافه العثمانيين، في تتريك الأناضول.

 

حكومة أتاتورك مهدت للمجزرة، بإعلان إخلاء مسؤوليتها عن أي مذابح، قد تحدث في مدينة إزمير.

الأحياء كانت مقسمة عرقيا، حي للأرمن، وآخر للأتراك، وثالث لليونانيين، وبعد دخول الجيش التركي للمدينة، هاجم اليونانيين والأرمن فى منازلهم. نهبوا ممتلكاتهم، ثم أضرموا النيران في الحيين، وبدأوا في تصفية أي شخص غير تركي.

فر اليونانيون والأرمن إلى الميناء، والشواطئ، لنقلهم إلى اليونان، كان همنجواي شاهدا على هذه المجازر، خلال عمله كمراسل حربي في المنطقة.

 

الكتاب الأسود

أصدر مجموعة من الكتاب والدبلوماسيين والشخصيات الشهيرة، كتابا بعنوان “الكتاب الأسود”، يوثقون فيه الجرائم التركية، في أواخر القرن التاسع عشر، وفترة تأسيس تركيا الحديثة، بما في ذلك الإبادة العرقية الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية عام 1915.

الكتاب يفضح محاولات الإنكار الرسمية من قبل أنقرة، وعدم اعترافها بهذه الجرائم.

أحد هؤلاء الكتاب، هو الأمريكي إرنست ميلر همنجواي، الحائز على جائزة نوبل 1954، واحد كلاسيكي الأدب العالمي في القرن العشرين، شارك متطوعا في الحرب العالمية الأولى، وبعد إصابته بجروح خطيرة، تم تسريحه من الجيش. بعد تعافيه عمل مراسلا حربيا، لصحيفة تورنتو دايلي ستار الكندية، وقام بتغطية الحرب اليونانية التركية عام 1919-1922.

سجل المراسل الأديب مشاهداته في أعماله، مثل القصة القصيرة “على رصيف الميناء في إزمير” وقصة “التعريشة الثانية”.

همنجواي رصد مأساة اليونانيين والأرمن، والفظائع التي تعرضوا لها، بعد دخول الأتراك إزمير وما حولها.

 

صراخ الضحايا

“إن الشيء الغريب، أنهم كانوا يصرخون كل ليلة، عند منتصف الليل، لا أعرف لماذا كانوا يصرخون في ذلك الوقت، لقد كنا في الميناء، وكانوا جميعا على الرصيف، وعند منتصف الليل، راحوا يصرخون”.

في قصته على رصيف الميناء في إزمير، يوثق همنجواي المأساة على لسان الراوي، وهو ضابط أوروبي على متن سفينة حربية، كانت تنقل اليونانيين إلى الجزر، لإنقاذهم من الذبح على يد الأتراك.

عويل وصراخ مئات الآلاف الهاربين من الإبادة ملأ الميناء، فأدمى قلوب البحارة العاجزين عن طمأنتهم، فكانوا يوجهون أضواء السفن عليهم، ليشعروهم بأنهم هنا من أجلهم، ويضيف:”الضباط الأتراك عطلوا مهمة السفن التي تنقل الفارين لإتاحة الوقت للميليشيات لإتمام مهمتها”.

في القصة ضابط تركي يواجه الراوي، ويشتكي له من أن أحد جنود السفينة أهانه، ويشير إلى جندي طيب، فيعلم الضابط الأجنبي أن الشكاية لا أساس لها، وأنها ادعاء زائف، فقد كان الجندي شابا لا يؤذي أحدا.

 

أدرك الضابط حيلة الأتراك، وقطع الطريق عليهم، بأن طلب من الجندي العودة للسفينة، وأخبر التركي أنه أرسله لينال عقابا قاسيا، على ما بدر منه، ورضي التركي بذلك، فقد شعر بأهميته ،وعلاه الزهو، وسمح للسفينة بإكمال عملها.

” إن أسوأ ما في الأمر هو أمهات الأطفال الموتى، إذ لا يمكنك أن تجعلهن يتخلين عن أطفالهن الموتى، كن يحتفظن بأطفالهن الموتى لمدة ستة أيام، ولا يتخلين عنهم”.

الأطفال كانوا أول الضحايا، كانوا أكثر القتلى، ومن لم يُقتل مات من الجوع، أو التدافع، ولم تقبل الأمهات ترك جثامينهم الصغيرة، لعدم تقبلهن فكرة موتهم.

القتلة لم يسمحوا لليونانيين والأرمن بحمل أي متاع معهم، فتجمعوا على الشواطئ دون أغطية تقيهم البرد، أو طعام يقيهم الجوع، فمات الكثير منهم، ومن هؤلاء عجوز قتلها البرد.

 

أطفال موتى

يقول همنجواي:”أتذكر كيف مُنعنا من الدخول إلى الميناء ، لتنظيف الرصيف من الجثث، في ذلك الصباح كنت واقفا عند مدخل الميناء،  خائفا بشكل استثنائي، كان لديه البنادق، وكان من السهولة أن يرمينا بها، قررنا الدخول، وسحب أنفسنا على مقربة من حائل الأمواج، وفتح النار على المناطق التركية من المدينة”.

لم يكن الأتراك راغبين بالتخلي عن اليونانيين، قبيل عقد صفقة مع الدول الأوروبية، للحصول على مكاسب على حساب اليونان ، فوضعت العراقيل أمام إجلائهم.

خلال مفاوضات معاهدة لوزان عام 1923، تم الاتفاق على تبادل السكان بين تركيا واليونان، وبدأت عملية نقل 1.4 مليون يوناني من الأناضول وإسطنبول وتراقيا.

في قصته “التعريشة الثانية” سجل همنجواي مأساة رحيل العائلات اليونانية من أدرنة، عن أرضهم التي امتلكوها لآلاف السنين، وظلوا عليها حتى طردهم الأتراك منها.

“أنت تذكر الميناء، كانت كثير من الأشياء الجميلة تطفو فيه جيئة وذهابا، وكان هذا كل ما تبقى لي من الحياة”

مياه الميناء امتلأت بممتلكات اليونانيين التي أخذوها معهم، و اضطروا للتخلي عنها، لإخلاء أماكن على ظهر السفن، لإنقاذ حياة آخرين.

اليونانيون تم نقلهم إلى دولة اليونان، أما الأرمن فهاجر أغلبهم إلى مدن أوروبا والشام ومصر.

أحد المشاهد المأساوية ذكرها همنجواي، هن النساء الحوامل ، اللاتي وضعن أطفالهن في العراء، دون أن يجدن مساعدة، أو رعاية، فمات كثير من الأطفال.

“كل ما عليك أن تفعله هو أن تغطيهن بشيء ما، وتتركهن يتدبرن أمرهن، كن دوما ينتقين أشد الأماكن ظلمة في بطن السفينة ليلدن فيها، كن يتلقين كل شيء بصدر رحب، حالما ينزلن من رصيف الميناء”.

مشاهد الدمار والموت التي ملأت المدينة انطبعت في ذهن همنجواي، فسجلها في عدد من أعماله، لتخليد ذكرى من راحوا ضحية البربرية التركية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار
إغلاق